أخبار الأدب-أخيراً- تداعب الدهشة
في العدد الأخير للعام 2006 فاجئتني جريدة أخبار الأدب بنص بساحة الأبداع تحت عنوان “فاصل للدهشة”وهو الفصول الأولي لرواية سوف تصدر لأديب لم أسمع عنه من قبل هو “محمد الفخراني” , وللدهشة توقفت منذ زمن عن تصفح ساحة أبداع الجريدة وأكتفي غالباً في حالة شرائي للعدد بركن شرق وغرب , والبستان ..وبعض النصوص المترجمة أن لفت أحدهم نظري
ولكني في تلك المرة أستقبلت النص الجديد بشعور مختلف, منذ الوهلة الأولي تأخذك اللغة أسيراً داخل مدارات حروفها وتشكل مزاجك بما يتناسب مع أجواء المكان المسيطر علي الحدث..ربما أكون مخطئ, وربما يكون الأمر بأكمله يرجع لذائقتي 
ولكن صدقني تلك المره الأمر يستحق الجنيه ..وكوب الشاي الدافئ وحجري المعسل, وتمقيق عينك بأضاءة المقهي الكابية لتقنع الحروف بحل سدالها..الموضوع كما يبدو - وكما فهمت- حديث يدور مع أنتقال الملك “رمسيس الثاني” متخلياً قصراً عن ميدانه العتيق ..والذهاب سيراً علي الأقدام حتي مثواه الأخير أمام مقر المتحف المصري -المزعوم-الجديد, ليتحول لمانيكان شاهد علي تاريخ ولي ..يقدمه للسياح متسولاً منهم العملة الصعبة , متخلياً عن كبريائه الملكي
لا أعرف رأي رمسيس فيما حدث ويحدث له …ولكن ذلك ما يكشفه “محمد الفخراني” في نصه..من خلال مجموعة من المنسحقين يسردون أسرارهم الصغيرة والبذيئة أحياناً تحت سمع وبصر الملك المهيب ..دون رهبة من سطوته ودون طمع بذهبه, هدية صغيرة يقدمونها له ..وهو رضيها من شعب يعرف كيف يروح عن حكامه , حتي وأن كانوا موتي
ومع الوقت صار هناك أتفاق ضمني بين كلا الطرفين , هم يحتمون بجسده المديد من قيظ الشمس ولسعة البرد..ويتخذون من ساحته مسرح لتفاصيل حياتهم اليومية , وهو يرمقهم وعلي ثغره الملكي تتلاعب أبتسامة حانية,يهبط من فوق منصته الحجرية..يجلس القفصاء علي الرصيف…يشرب الشاي من علي نصبة تديرها امرأة تهز شخرتها الميدان..ينظري للأغلفة الملونة لمجلات بذيئة ويرمق أسطوانات الأفلام البنانية والتركية ثم يعود ليطبق معايرها علي نساءه السائرات
تلك لغة جديدة أشم عبيرها ..لغة لا تعرف اللغة..يخطفني حرفها فلا أفيق من “سطله”حتي أطلب المزيد,تتحدث عن المنسحقين من أبناء المدن, ليسوا حرافيش..أو مناضلين , ولا هم مثقفين..او متمردين, هم شخوص عشوائية نبتت من باطن الأسفلت الملتهب ..وعلي جوانب أرصفة الميادين..تحتال علي الرزق, وتوسع من هامش السبهللة الذي يغلف المدينة
لغة حسية ..تسموا بألفاظ الشارع المتداولة بين العامة والدهماء, فتصير لغة حوار تلسع وعيك المتجمد عند الوصف البلزاكي..وروايات الواقعية الجديدة..والواقعية الأشتراكية …وحتي روايات المولات الحديثة التي تتمحور حول ذات وجودية عفنة تفسد عليك رائحتها طعم سيجارتك الرخيصة
لغة تعيد لألفاظ..كشوف..خول..شخرة..لحس..بَشر..عضو..خمري…مؤخرة طرية..فلقة..أنتصاب..فضيت..ياغمة..البطاطا الذيذة ملسوعة بنار فرن فخذيها والتي ننطقها نحن “كس” ولمؤخذة, التفاصيل تبحر أمام عينيك..تقودك لعالم العشش والباعة الجائلين..وسائقي الميكروباص..والشريبة…وجهاز الفيديو أبو بابين لمشاهدة أفلام السكس ..
تلك لغة يرضي عنها الله ..أن كان للأدب آله يرعاه ويباركه!!
علاقتي مع أخبار الأدب كجريدة متخصصة تمتد للعام 98 , وأعرف جيدأً كم هي جريدة قذرة, حالها في ذلك حال صحافتنا المجيدة , تفقد أحترامي مع كل عدد جديد تصدره..ولولا دورها في تعريفي بادب أمريكا الاتينية تحديداً ..ومجهودات صغار المحررين الحالمين بفرصة تمكنهم من تثبيت أسمائهم في تلك البركة العفنة..وبحكم العادة -لا أكثر ..كنت توقفت عن شرائي لها منذ العام 98 - ولا داعي للدهشة
فتربص جمال الغيطاني بوزير الثقافة - وأن كانت محق- آلا أنها تبث لي برسالة خفية عن نوايا ذلك الرجل وطمعه في منصب حامي الثقافة المصرية, مدعوم بالأحاديث المحفوظية ..وعمارة القاهرة الفاطمية.وصفة أديب التي لا أعلم من أين أكتسبها, دعك من ثقل ظل السيد عزت القمحاوي..ومحاولات الأخت دينا رؤوف لترجمة كل غث وسمين كتب باللغة الأسبانية ..ودعنا نتحدث عن الدور المنوط بها كرقعة ضوء مسلطة علي الأدب المصري والكشف عنه وتصديره لنا ولغيرنا والتي يسمونها بساحة الأبداع , انا لا أعرف ما يحدث داخل أروقت تلك الساحة ..وما الذي يدفعهم لتسويد كل تلك الصفح بتلك النصوص النثرية المسلوقة …وقصائد الشعر (نثر- وتفعيلة- وحر)التي لا أعرف أن كنت أنا الوحيد الغير قادر علي تذوقها أم أن كانوا هم الغير قادرين علي كتابته
علي كل لأترك الأدب لتجاره..والصحافة لمشتغليها..والملك للمالك , وأعود أنا لفاصل “محمد الفخراني”المثير بالفعل للدهشة..والذي سيتبع بفاصل جديد بالعدد الجديد للجريدة
هل يعرف أحدكم أي تفاصيل عن” محمد الفخراني“..وروايته تلك!؟



أظهرت لي لغة لم أكن أعرفها من قبل ولم يكن لدي عنها أية فكرة , كان أول ما أدهشني عند قراءة قصص بورخيس هو إحساس غريب بالجفاف جعلني أتسائل : ماذا يحدث هنا؟
الوقت مديراً لتحرير مجلة “لاس أنالس دي بوينوس أيريس “التي تملكها السيدة سارا دي أوتيث باسوالدو..وجاء لي كورتاثر يحمل قصة كانت بعنوان المنزل المحتل , بعد أسبوع عاد وطلب رأيي وقلت له : بدلاً من أن أعطيك رأيي سأخبرك بأمرين..الأول إن القصة في المطبعة وستكون لدينا البروفة في غضون أيام . أما الأمر الثاني فقد نقلت أعجاب أختي “نوره”بالقصة, ولكن في ذلك القاء في باريس أضاف كورتاثر قائلاً : اريدك أيضاً أن تتذكر أن هذه القصة كانت أول نص ينشر لي في بلدي عندما لم يكن يعرفني أحد “..وشعرت حينها بالفخر لأن أكون أول من نشر نصاً لخوليو كورتاثر

