مكرمة الشيخ رفعت

جمعتكم اليوم لنتشاور في أمر ..لعمري هو جلل، صاحب المكرمة هو شيخي وشيخكم صاحب الصوت الملائكي والناقل لكلمات الله “محمد رفعت النقشبندي” نسبة للطريق النقشبندية ، ناقش اسم الله علي صدره و المولود ما بين (1882 و 1884) والمتوفي بالزغطة عام (1950)، ولسوف أقصها على آذانكم الفانية ( اختص الله اللسان وعصعوص المؤخرة وحدهما بالخلود).. فانصت إذن بأذنِ عقلك واشهد بعين قلبك.
ولكن قبل أن أسرد ما وقع من أمر الشيخ وأمري، أرغب في مشاركتكم بواقعة تعيدنا بالزمن سنوات وسنوات، فقد روى خالي أعزه الله (وهو من زار قبر الرسول محمدا في الرابع من محرم العام ١٤٢٣ هـ فاستحق شفاعته) عنه عن الرفاعي عن إسماعيل ابن سليمة الشبراوية : أن الشيخ كان في طريقه ذات ليلة لإحدى السرادقات الفاخرة، راكبًا سيارته الفارهة، وأثناء الولوج عبر واحدة من الحواري الضيقة، وعلى حين غرة أمر سائقه أن يتوقف، ثم استأذن وترجل، مخبراً رفيق دربه أن يستبقه، فهو مكلف بوفاء دين، ثم مضى دون أن يزيد، ولم يطلب الصديق أن يستزيد، فقد كان بصدر الشيخ وما فطرت عليه نفسه عليماً، وعلى بعد شارعين قطعهم الشيخ سيرًا، بدا للعيان سرادق رقيق الحال، فاستعان الشيخ وضم عباءته وذكر اسم ربه، ودخل معزيًا، وسأل عن أبناء المرحوم فأخبروه أن الرجل كان حظه من الإناث أربع، ولم يمن عليه الله بذكور، فاندثر نسبه، فسأل عن زوجته، فأشاروا لمجلسها، فتقدم الشيخ كاشفًا عن شخصيته ومستأذنًا المقريء الجالس فوق الأريكة، ليعتلي هو ويصدح صوته بآيات الله البينات من سورة الرحمن إلى أن ختم بكلمات الله التامات « وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ »، ثم عاد واستفتح بسورة المائدة ولم يصمت بعدها إلى أن خرجت الزوجة الثكلى من ديوانها المصون عن السفهاء من الذكور، لتعلو بصوت الزغاريد على صوته الكريم، وتزيد المعزين حيرة على حيرتهم من حضور الشيخ ذلك المقام الرث، وهو مقريء الإذاعة الأهلية ومرقق قلوب الملوك على الرعية ، وبلغت بهم الدهشة مبلغها عندما انفرجت أسارير الشيخ وحمد ربه المتم لنعمته، ثم هبط من مجلسه العلوي، ومضى إلى حال سبيله، ولما حاولت المرأة أن تلحق به كان قد مضي متخفياًً بأسدال الظلمة ، لتكشف الزوجة عن سر خروجها على مقام الحزن والعادة، وتخبر المستنكرين عليها فعلتها، بأن زوجها قد زارها في المنام وأوصاها بالفرح إن أتى الشيخ لإحياء خرجته، فتلك علامة عن رضا الله عنه، وقد كان زوجها من الركع السجود، مقيماً لليل، موفياً بالعهد، مؤدياًً للأمانة، لكنها لم تصدق رؤياها وظنتها أضغاث منام، وإلى هنا تنتهي حكاية الخال ، التي ورثها عن السلف، وتولى هو نقلها إلى الخلف، ليأتي دوري من بعده وأقصها على مسامعكم الساعة، ولكي أكون أمينًا معكم، فأنني لم أعر الرواية من الاهتمام ما تستحق، ولولا تجلي الشيخ الذي صار عندي مقام اليقين، ما تذكرتها، وما استدعيتها !!.
لم يكن الشيخ في حاجة لمكرمة يبديها، فهو على عكس صحبته من الأولياء، حاضراً بيننا رغم مشيئة الرب التي أرادت له الرفع والإنزال منزلة تليق بجلال صوته، إلى أن وهن منا العزم، في زمن الطفرات الرقمية، وانشغل البعض منا بالإنصات إلى البودكاستات، وتهافتت الأمة على إنزال كل فاحشة بتلك البدعة التي يسمونها التورينت، لذا وجب على الشيخ أن يبدي كرامة، ولكل زمن طفراته التي تتحدي الناموس الأعظم، والناموس هنا رقمي بحت.
سألني بعد أن انتهينا من صلاة الجمعة الأخيرة، إن كان لدي بعض الوقت، وكان وجهه مسهدا يعاني من احمرار العين، ولديه كره طبيعي لضوء الشمس، فأخبرته أني في طريقي إلى المقهى، وما أن جلسنا حتى تلفت حوله، ثم همس لي وهو يحدق بعيني : أعلم أنني سأبدو كمجذوب، متشيع، ولكني في حاجة إلى الحديث. لم تكن علاقتنا تحتمل كل ذلك الغموض، ولكني أحسنت إليه بالإنصات، فأكمل : لديك علم أني اشتريت حاسوبًا جديدا فأجبته :نعم، وفكرت أنه يعاني من بعض المشاكل التقنية، لكنه هز رأسه رافضًا، وأخبرني بالعجب : أهداني محل البيع نسخة من القرآن، وكانت بصوت الشيوخ الكبار ”الحصري” و “كامل يوسف البهتيمي” و”محمد صديق المنشاوي” و”محمد رفعت” ، وعندما رجعت وانتهيت من تنصيب الحاسوب الجديد بمكانه، جلسنا جميعًا ننصت إلى صوت الشيخ رفعت الملائكي، وطربت نفسي مع طراوة ونقاء النسخة الرقمية، فلم أكن قد تبينت بهاء صوت الشيخ من قبل، بسبب بعض التشويشات الأستاتيكية، والتي تأتيني من المذياع، أنت تعلم أن هناك محطة لدعم إشارات الخلوي فوق سطح البيت؟ فهززت رأسي مؤيدًا : نعم، رحم الله الشيخ، كان واحدا من مؤسسي المدرسة المصرية للتلاوة، وأصارحك أن نفسي لا تجد هواها بطريقة المقرئين من دولة آل سعود. فرد: لكن ليس ذلك ما يهمني الآن، ولا أريد أن أعرف ما تفضل، الأمر بداء مع صديق سوء زارني في ساعة نحس وأعطاني بعض أفلام البورنو، أنت تعلم أنني متزوج، ولكن الأمر لا يسلم، وأنت لست غريب !! وجدت أن واجبي يحتم علي تبصيره، فأخبرته: ليس هناك عيب، تلك ثقافة، ومشاهدتك لتلك الأفلام نوع من الاطلاع، لكي…. لم يمهلني لأكمل، ففح بي : أصمت بالله عليك وتعلم أن تستمع، ليس لدي حاجة لمثل ذلك الهراء الدنيوي، ما أحدثك عنه شيء ما ورائي بحت، لا يخضع للمنطق، ولا يلقي بالا بحريتك الشخصية أو رغباتك الفانية، المصيبة أن الشيخ قد ذهب غاضبًا ، وأنا الآن خائف من نزول اللعنة علي وعلى آل بيتي. احترت وأصابتني نقمة السؤال، فسألت : من الذي ذهب، وكيف!؟ فاختلج حاجبه واستعادت عينه رعب ليلة قديمة : الشيخ رفعت، هو وحده دون غيره، هجر الحاسوب! أصبحت الآن على علم، وتبينت الأمر فابتسمت : ليس هناك شيء كهذا، ربما أعطيت أمر المسح وأنت شارد، أو ربما فعلها شخص أخر . حدق بي باحتقار لم أعهده به : ثم هز رأسه وزفر ببط: لم يحدث شيء كهذا فالحاسوب شخصي، كما أنني احتفظ بنسخة من تسجيلات الشيخ، وقد أعدتها مرة أخرى للحاسوب فمحيت من جديد، حدث هذا منذ ليلة الأمس وحتى شروق الفجر سبع مرات تباعًا . وجدتني أخبره دون عزم، كأنني أعرف الجواب سلفًا : فلتمحو ملفات تلك الأفلام إذن، يستقر الحال ، “ قد حدث “ ثم أوشك أن يجهش بالبكاء” ولم يرضى”، ثم أمسك بيدي بغتة : بعد الفجر أخذتني سنة من النوم، كنت على طهارة، و مؤديًا للفرض وملحقه بالسنة على غير العادة، فزارني في المنام وكان وجهه مسودًا من الغضب سألته وأنا أتلمس البرودة تندلع بعصعوصي الخالد، وكان الجو رطبا بعض الشئ “وكيف عرفته، هل أخبرك؟”
لا، ولكني استيقظت فزعا والرجفة تتملكني، وأنا موقن أنه هو.
ساعتها تذكرت فجأة أن أمرا مشابهًا قد حدث لي، رحيل “رفعت” المباغت لحاسوبي لم يثر انتباهي حينها، وربما ما كان، ووجدتني أخبره بآخر شيء كان يمكن أن أفكر فيه لو كنت محله : تخلص من الجهاز، بع اللعنة فورًا، وتبرع بمالها، لكنه سألني - وأجده محقا تمامًا - : ماذا لو انتقلت اللعنة مع الجهاز، ماذا لو أصابت غيري؟
قبل أن أذهب نظرت إلى عينيه وسألته : ألا ترى في تصرف الشيخ بعض الغموض، كان من الأفضل له أن يبقى هو ويطرد الرجس من جهازك ؟ فابتسم بإشفاق وأخبرني : الأولياء لا يفكرون بعقلك الفاني، للأولياء كرامة وحياء، وما دمت أنا قد اخترت فعليه أن ييسر لي طريق الهلاك، أنا هالك يا صديقي.
فتمتمت : وأنا مثلك
[[ أعرف أن حديثي هذا لا يجد من المنطق ما يدعمه. .. كما أعرف أنني الآن أخاطب حشدا متباين النحل والمذاهب، وأن بينكم الآن من هو سماوي وآخر أرضي ، علوي وسفلي، سامي و متدان، رباني و قرآني، وربما كان فيكم بوذي أو يهودي قذر ، لكنني اخترت أن أخاطبكم بلسان العقل، إنني خائف الهلاك، والخوف الأكبر من الذل والمهانة. يا قوم ، التجربة بينة، والحواسيب متوفرة، والرجس يحيط بكم، وصوت الشيخ باقٍّ ما بقي الدهر وطال بنا العمر، فمن اختار منكم الذلة طاوعناه، ومن اختار العزة أعناه، وإنا على الدرب لسائرون نيامًا، قائمون ليلاً، مستغفرون نهارا]] . تلك آيات لقوم ما أتاهم الخبر -من قبل- فهم بالجهالة مسرفون، وإنا إلى الله لعائدون.

