الطبيعي – يفعلها مره واحدة
لدي عادات غذائية سيئة : لا أعشق من الطعام ألا المهدرج ، كلما ارتفعت نسبة كلسترولله، كلما أزدادت شهيتي لأكله ، أفضل السمين من اللحم ، وأذوب أن وقعت علي قطعة جيدة التلبيس ، وفي الداجن أعشق الجلود والزلموكة ومصمصة الأجنحة ، أما عن الاسماك فمعدتي حساسة تجاهها و ذلك لأمر لا أفهمه رغم ان لحمها يُعد أكثر انواع اللحوم خفة وأقلهم ضرر ، لكنني ان أكلت منها فلا أقدم ألا علي البلطي النيلي ، والسلمون ان كان جيد التدخين ، وكل ما سار علي أرجل ، وكل من زحف . ولا تقف الحساسية عند الأسماك ولكنها تشمل الكبدة أيضًا ، وذلك أمر مفهوم علي الأقل ، فالكبد هو فلتر غسيل الجسد ، وبه تتجمع كل السموم ، لكنني من حين لحين تهفوا نفسي لرائحة الكبدة الجملي ، ولأمي طريقتها الخاصة في أعداد الكبد ، وكثيرًا ما كنت أسرق منها كبد وقوانص الطيور قبل أنتهائها من الطبخ ، ثم اسارع بالهرب بعيدًا ،قبل ان تلحق بي ، وأنا أقفز واشهق بسرعة خرافية كي أبرد الطعام بفهمي لأتمكن من أبتلاعه ، وأظل علي هذا الحال حتي تدمع عيني ويفأفاء لساني ، مما يفقدني حاسة التذوق لأيام .
وكان لي صديقة حكت لي أن والدها كان يأتي بالكبد كل خميس ( وهو يوم الذبح ومسرحية القناة الأولي ) فيدعكه بالبصل ويغرقه باليمون ويرش عليه الفلفل الاسود ، ويجلس في المساء هو والأم أمام التلفاز ليأكلاه نيئً ، بتلذذ شديد ، وكأنهما يمارسان طقس تطهرهما الأسبوعي ، ألي أن شاهدوا ( هانيبال أليكترا ) بفيلم صمت الحملان ، فتوقفوا عن تلك العادة الذميمة ، مقرين أن من البشر من هم أجدر منهما علي أكل اللحم النيئ .
وذات مره أولم لي قريب ، ففرحت بالوليمة ومنيت نفسي ، لكني صُدمت بمجرد أن رأيت الطعام قاصر علي الجبن والبيض وكوب من اللحيب كفيل بآرهاب اشجع الأطفال ، وعندما طلبت منه تفسير لكل ذلك البذج أبتسم وأخبرني ونور الحكمة ينسكب من عينه ، انه ( فوفو- تيك ) – هكذا نطقها – وهو ما جعلني اسأله عن صدق : ” خير يعني أنشاء الله !؟ ” ، فضحك من جهلي حتي كاد يسقط من فوق مقعده ويرفس ، وأنا جالس أمامه كالأحمق ، لا اعرف ان كنت أبداء في التهام ما أمامي من طعام ، أم انتظر حتي ينتهي من نوبة ضحكه التي علي ما بدا وقتها ستكون الأخيرة ، ألي ان توقف عن الضحك ، فتوقف معه بندول الساعة خلف رأسه ، واقترب مني وهو يبعد الأطباق عني وفح : ” أنني يا صديقي شخص نباتي ، هل تعرف ما تعنيه كلمة نباتي ؟ هل تعرف !؟ ” فهززت رأسي بخوف وبداخلي تنامي شعور أن تلك هي طريقتهم في تجنيد المختارين الجدد ، ولعنت جوعي الذي اتي بي ألي هذا المكان ، ولكني تجاسرت وسألته : ” وما علاقة ذلك بالفوفو – تيك !!؟” ، فرجع بظهره ألي المقعد وعقد ساعديه أمام ظهره بثبات ، وأخبرني بما أخبركم –أنا- الأن به : أن “الفوفوا – تيكين” هم فصيل من النباتين يعتمدون في غذائهم علي الألبان ومنتجاتها لأكتساب البروتين ، والبيض لأكتساب الكالسيوم ، وكنت أنا وقتها في حضرة أحدهم .
وفكرت في رد الوليمة له ، فأتصلت به ، وأعددت المائدة بما لذ من الجين ، وما طاب من البيض بدءًا من المسلوق وصولاً للاسكندراني مرورا بذو العيون ، وحالفني الحظ في الحصول علي لبن سرسوب ماعز خفقته خصيصًا بالعسل الأبيض وجلست أنتظره ، ولكن ما ان وقعت عينه علي المائدة حتي اشمئز وجهه وتجعدت ملامحه وكاد ان يقئ أمامي ، وهو يسألني : ما هذا !؟ فأخبرته أنه الغداء ، فأشاح بيده بعيدًا ، ثم سألني ان كان لدي بعض الخضر ، فأخبرته ان لدي بعض الجزر فاستحسنه ، فذهبت وأحضرته له ، و فكرت وانا عائد ان أقطعه من أجله ، لكني نكاية به عدلت عن ذلك ووضعتهم كما هم أمامه ، فأخذ يقضمهم باستمتاع أرنب . وهو يحكي له انه قد ارتقي وصار ( فيجترين ) خالص ، وأخبرني بما أخبركم به الأن : لقد كان نوح نباتي ، لذا عاش عشر قرون آلا خمسين سنة في صحة وعافية ، بالطبع آمنت علي ما قال بأن كل شئ بتلك الحياة جائز ، وربما كان ذلك هو السبب في موت صالح صغيرًا لأنه علي ما بدا كان يتكئ في غذائه علي اللحم الجملي كسائر قومه .
لم أسمع منه بعد ذالك ، وأن كان أخر ما سمعته عنه هو اصابته بالهشاشة والبوليميا ، ولا شماتة في الموت !
لقد حاولت كثيرًا أن أفهم منطق النباتين ، لكن ما أفهمه هو أن يصير الأنسان نباتي ليوم أو أثنين بالأسبوع ، وأغلبنا هو نباتي في الواقع اغلب أيام الأسبوع ، دون أن يعلن ذلك ويبشر به كالدين الجديد الذي سمعت أنه قد ظهر بأرض الجزيرة ، علي كلاً أنا أقبل ذلك وأحترمه ، فمن كان منكم نباتي فاليقل خيرًا أو يصمت ، ومن كان مثلي حيواني المنحي فليهنئ بما لذ وطاب له ، والحمد لله الذي لا يحمد علي اختلاف سواه .
بالأمس لم تكن لدي أي رغبه في الطهو ، فتوقفت بطريقي وابتعت ساندويتش ( شاورما ) من لدي بائع مجهول ، وهو ما أصابني في الصباح بأنتفاخ عذبني كثيرًا ، ألي أن ذهبت الي صيدلية تحت البيت ، وشرحت حالتي لطبيبة التي نصحتني بتناول شربة ” زيت الخروع ” لكنها تراجعت عن ذاك الأقتراح وهي تمد يدها لأحد الأرفف المتراصة وتتناول علبة أخرجت منها شريط ناولتني أياه ، وهي تبتسم ( ديسفلاتيل ..أنا باستخدمه شخصيًا ) فهززت رأسي ودفعت ثمنه ، لكنها أوقفتني : ” عليك مضغه ..لا ابتلاعه ، وأعلم ان الأنسان الطبيعي يخرج البراز مره واحدة في اليوم ” فارتج علي للحظات ، ولاحظت هي ذلك ، فهزت رأسها قائلة : ” أنها معلومة طبية ” ، فابتسمت وأسرعت بالخروج وأنا أحاول أن أفرق ما بين البراز والبول ، دائمًا ما كان يختلط الأمر علي ، وحتي الأن لازلت أظن ، أن من الأفضل أن يصير “البراز” هو كل ما نتج عن فعل الطرطرة ، فدائمًا تعطيني انسيابية حرفي الزال والراء شعورًا ما بالسيولة ، بينما البول هو كل صلب يخرج بعملية الحذق ، لتأثير حرف الواو الذي يضم الكلمة ولا يبسطها أبدا . ولكم ان تتخيلوا كم اللبس الذي وقعت فيه حتي الأن كلما ذهبت لأجراء بعض التحاليل
أخذت أفكر في ذلك الامر ، الي ان بلغت الدور الرابع حيث اسكن ، وطرقت الباب ، ففتح لي زميلي في السكن وهو يقضم حبة طماطم كانت بيده ، وسألني ” ما لك !؟” فأخبرته بما أخبرتني به الطبيبة ، من أن الأنسان الطبيعي يفعلها في اليوم مره واحدة ، فحدق بي بدهشة وهو يخبرني : أنه يفعلها في اليوم أربع مرات . فلم اجد امامي سوي ان اخبره بالحقيقة كاملة : تبق مش طبيعي يا شادي .

