ليس دفاعًا عن ماردونا .

أكثر ما كان يعجبني في هذا الجيل ، أننا أشخاص سيئون بطبيعتنا ، لا نأخذ الأشياء على محمل الجد ، لا نكترث ، لا نبالي ، وغير معنيين. لذلك فنحن لم نهتم بالقضايا الكبري ، ولم نسمح لها بإفساد حياتنا كآبائنا الثوار ، لم نبحث في حقيقة وجود الشيطان من عدمه ، لكننا نفينا وجوده ، هكذا ، ببساطة كتابة هذا السطر ، صرنا ملاحدة ، ملاعين !!
لم يثر هدف “ماردونا ” الذي وضعه بيده في شباك كأس العالم ، أية تساؤلات لدينا ، نعم لم نهتم بكيف أو لماذا فعلها ، وهل تجرأ علينا أم أنه لم يكترث لوجود القانون والحكم !! ، فقط ضحكنا ونحن نستمع للحكاية ممن عاصروها ، وانشغلو ليالٍ أمام برامج التحليل وأجهزة الفيديو المنزلي ، ليعيدوا الاستمتاع بالخدعة التي تدبر أمرها وحده ، من منا لم يحب ماردونا ، من منا رآه وهو يلعب ؟


ماردونا ذلك المكير القصير ، ذو الكرش الصغير ، المدمن سيء السمعة ، حبيب كاسترو وعشيق شافيز ، هو أيقونة ذلك الجيل ، كان لدي وأنا صغير تي شيرت لبني ، مطبوع عليه وجهه فقط دون اسم أو أشارة ، وكنت اختال فيه و أنا ألعب الكرة ، كأنني هو أو كأنه قد صار جزءً مني ، كل ذلك كان قبل أن ترتاد جارتنا الجامعة بعشر سنوات ، ويشتري لها والدها اليساري السبعيني صاحب بشرة البهاق ، والمجلدات السميكة ، تيشيرت وكاب وحقيبة وعراقة لليد وسلسلة للمفاتيح وكوب خزفي مطبوع عليهم صورة آرنستو تشي جيفارا ، جيفارا يععععع ، ذلك الدموي المكترث بفقراء العالم ، جيفارا مدمن السيجار الكوبي ، مفجر الجثث ، مفرخ الأفكار وحاضن فيروسها الأول ، بحق التاريخ ، بحق اللعنة التي وهبتنا وادي النيل الأخضر ، بحق الغباء الضارب في تلك التربة الخصبة ، من منكم عرف جيفارا قبل القديس ماردونا ، من منكم يكترث لأفكار ذلك الثائر - لسخرية - الآرجنتيني أيضًا ، علي الأقل ماردونا لم يكن مجذوب ليطوف علي بلاد اللاتينية فوق دراجة ، ماردونا الأكثر خبثًا ، هو الأخر قد جرب السيجار الكوبي والزعيم الكوبي ، والحريم الكوبي ، كل ذلك دون أن يعادي أحد ، أو يعاديه أحد ، اللهم سوى ” إديسون أرانتيس “ ، الأيقونة الكروية لجيل اليسار المصري ، البيضة الأممية الثانية بكيس الصفن الملقب بالنخبة ، “ بيليه “ ، زبي ، اللؤلؤة السوداء ، رمز اللعب النظيف ، الشبيه ببرميل النفط ، الذي وصل سعره ربما لـ ٢٠٠ دولار ولم يشبع شرهه بعد ، ليتطاول علي سيد اللعبة ، دييغو أرماندو مارادونا ، فيصرح ، من فوق عرشه السماوي المحمول على أعناق المعاتيه ، وبلباس شبيه بالعميل سميث في ثلاثية الماتريكس (اللاخرائية علي أي حال) ، مطالبًا بحرمان سيد اللعبة من ألقابه علي نسق لاعبي الأوليمبياد ، لأنه لم يضف شيئاً لكرة القدم ، نعم ماردونا مدمن ، وبيليه لم يضبط من قبل وهو يمارس العادة السرية ، نعم من حق الجميع أن يحرم أبطال الأوليمبياد من ألقابهم وميداليتهم ، لأنهم وببساطة أشخاص معتوهون تربوا على حمل الأثقال وحبوب الأمينو المقوي ، وحقن النفخ ، غرضهم النهائي إسعاد القيصر والفوهلر ونيل الثناء من عبد الناصر بعد عبور خط المانش ( بصراحة كان الملك فاروق وسباح القرن أبو هيف ، لكنني أظن أن جذوري تعود للعائلة الملكية ، ولن تسمح لي العائلة بالزج بأسم فاروق في هذا النص ) وإن لم يرضوا عنهم كان جزاؤهم جزاء كرم جابر وزملائه الخمس ، أما كرة القدم ، فهي اللعبة الأكثر شعبية ، بل هي اللعبة الشعبية في حد ذاتها ، خرجت من الحواري وطين الشواطئ ليحملها أبطال حقيقيون من أمثال ماردونا ويطلقونها للفضاء الخارجي ، من كان منكم فضائي فليتحدانا في كرة القدم ونحن نخبره بمعدن البشر الحقيقي ؟

أبطال اللعبة شخصيات ثنائية الأبعاد ، المتميزون منهم فقط وهم قلة يتحولون لأشخاص حقيقية ، ثلاثية الأبعاد ، فمن يجرؤ إذن على سحب ألقابهم ، أي مخبول هذا الذي يهين شخصية من خيال تعد فكرة أكثر منها كيان ، حتي وإن كانت ثلاثية الأبعاد
ماردونا مثله كالكابتن ماجد وصديقه اللدود بسام والمدرب البرازيلي السكير فواز ، الثلاثة معًا ، كل ما يعنيه هو أن يفوز ، وان يرفع علم بلده ، ويستمع وهو يترنح تحت تأثيد السُكر الي ترنيمته القومية الآثيرة
ليس دفاعًا عن ماردونا ، أو منطق اللعبة ، ولكنه العداء لبيليه المسكين ، ومن قبله الثائر المصدور بالربو ، نعم من حقنا أن نفتخر بما نملك ، نسعد لأننا لا ننتمي لوطن ليهزم ، وليس بجعبتنا نظريات كبيرة تفقد قيمتها مع الوقت ، ولا نحترم قانون اللعب ، لأننا نؤمن بالغش في اللعب ، وكل ما نسعى إليه ، هو ثمالة المتعة . و جوهر الانحراف هو عدم التقيد .
نحن / أنا / جيلي / مواليد الثمانينات أو أي صفة مفردة ٠ترتضونها٠ سيذكرنا التاريخ في حولياته بأننا أكثر جيل استفاد من تلك الأرض قبل أن يفجرها ، نحن الجيل الأول غير المعني بالأجابة عن الأسئلة ، أو طرح المزيد منها ، هو فقط تسعده الأسئلة المعلقة بفضاء الحجرة كزينة عيد الميلاد ، التي تنتظر من ينزلها من فوق الجدار ، لكننا نتركها لتبلى وتسقط بفعل التقادم
أما هؤلاء الأوغاد الذين سيرثون كل ما نخلفه من بعدنا ، فلسوف نمنحهم ما حرمنا نحن منه ، سننتزع من أجلهم الخازوق المغري الذي جلسنا عليه نهاية القرن الماضي ونلقي به لأعماق المحيط ، حيث يشك البعض منا في وجود الأطلنتس ، أرض الأجداد الفجرة ، وبعدها - بعد أن نرتاح من فعل الخازوق - سنضجع على الشاطئ تحت شجر الجوز ، ونحن نتجرع كؤوس المارتيني ونمضغ الزيتون الأخضر ونصفع نساء الكاريبي علي مؤخراتهن لتصفق ، ونذكر أنفسنا أننا منحنا ما حرمنا منه ، أرض بكر بور غير حبلة وليست بعاقر ، صالحة لكل شئ وآي شئ ، خالية من الأيقونات والتعريفات والرموز والنظريات ومسببات البضان اليومي ، وصالحة للشجار ، واراقة الدماء
لقد حان الوقت للقرود ألا تتنمر على الأفاعي ، وأنا أقصد هنا ، كل من يتحزب لبيليه وحزبه ، أنصار اللعب النظيف ، والانفشاخ اللغوي الشبيه بـ”الصحة والإدمان شيأن لا يجتمعان” .
معنا كل التضاد تجمع ، وعلى المتنافرين أن يجلسا تحت مائدة التفاوض - أو فوقها - المهم ألا يجلسان إليها
لنشرب نخب الثمانينات إذن يا برنس !!

أشارة @ 6-4-08 : 4.38 pm

تأكيدًا لكره هذا الجيل لنموذج بيليه الأخلاقي ، و دفاعه الشرس عن الرموز التي تبناها ، سقط سهوًا - وربما كان عمدًا - ان نشير الي تدوينة الرفيق بساموف كلاموكوفيتش  ، والتي اتت تحت عنوان [ مطاريد المجتمع الاخلاقي ] ماردونا نموذج ، أرجو ممن يقراء التدوينة ،  ان يلاحظ الاشارة في كلا التدوينان لكرش ماردونا الصغير ، يبدوا ان الكرش الدائري الصغير هو صرعة هذا الجيل ايضًا ، كما ارجو ان يكون لذلك علاقة « بباخوس » / « دايونايسوس»  آلهي الخمر والبداهة والنشوة المجنحة ، بكلا العقيدتين اليونانية / الاغريقية .

لنعيد شرب نخب الثمانينات أذا يا برنس !!

9 تعليق »

  1. Marvel قال,

    مايو 4, 2008 @ 3:50 م

    الثمانينات هي افضل الحقب التاريخية بلا منازع

    المجد لمارادونا و جون ترافولتا

  2. أنا قال,

    مايو 4, 2008 @ 7:24 م

    المجد لي وحدي ، فالنقرع الكؤوس

  3. Mohamed ElGohary قال,

    مايو 4, 2008 @ 7:54 م

    فلنشرب في صحتك يا أرشيدوق

  4. محجوب عبد الدايم قال,

    مايو 4, 2008 @ 10:15 م

    المتنافرين

    هيهي

  5. محجوب عبد الدايم قال,

    مايو 4, 2008 @ 10:15 م

    يوه.. و يجلسا… ايه ياخويا ده؟

  6. عزة مغازى قال,

    مايو 4, 2008 @ 11:26 م

    اينعم المجد للثمانينات وللجيل الذى هو ليس على موعد مع اى شئ
    الجيل الرائع الذى لا ينظر الى غد ولا الى لحظة قادمة او حتى فائتة بل يحيا ويحيا فقط
    المجد لنا نحن الذين لا يحلمون بشئ بل وجردت جيناتهم من القدرة على الحلم حتى
    جيل ولد ليجد اللاشئ حوله فقط اللاشئ فيما يؤكد له الجميع انه امتلك كل شئ
    جيل لا يعرف اصلا ان يتحزب وليس له مستقر فلابه اخوانيا اوى
    ولا يساريى للاخر ولا ليبرالى كما يقول الكتاب
    المجد لجيل صار هو نفسه لا شئ رغم انه تقريبا فهم الفولة وصار يعرف كل شئ

  7. أنا قال,

    مايو 5, 2008 @ 2:46 ص

    انت اهبل يا محجوب ، عمرك ما سمعت عن المراجع اللغوي !!

  8. محجوب عبد الدايم قال,

    مايو 6, 2008 @ 8:27 م

    هيهيهي… صباحو ورد

  9. جابري قال,

    مايو 22, 2008 @ 9:10 م

    أحييك تمامًا

RSS feed for comments on this post · عنوان التتبع

أترك تعليقا